وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم ، وسخافة عقولهم ، حيث يجعلون كثرة المال ، والجاه في الدنيا ، موجباً لاستحقاق النبوة. وتنزيل الوحي.
ولذا زعموا ، أن محمداً صلى الله عليه وسلم ، ليس أهلاً لإنزال هذا القرآن عليه ، لقلة ماله ، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه صلى الله عليه وسلم.
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة ، شدة جهلهم ، وسخافة عقولهم ، بقوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي.
وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن كقوله تعالى في الدخان {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 5 - 6] الآية ، وقوله في آخر القصص {وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [القصص: 86] الآية ، وقوله في آخر الأنبياء {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
وقد قدمنا الآيات الدالة ، على إطلاق الرحمة: والعلم على النبوة في سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الكهف: 65] الآية.
وقدمنا معاني إطلاق الرحمة ، في القرآن في سورة فاطر ، في الكلام على قوله تعالى {مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [32] يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم ، في الدنيا ، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم ، فجعل هذا غنياً ، وهذا فقيراً ، وهذا رفيعاً ، وهذا وضيعاً ، وهذا خادماً ، وهذا مخدوماً ، ونحو ذلك فإذا لم يفوض إليهم ، حظوظهم في الدنيا ، ولم يحكمهم فيها.