بعدما أشارت الآيات الكريمة في نهاية الربع الماضي إلى ما اعتاده خصوم الرسالات الإلهية من التكذيب بها، والتصدي لمحاربتها بالجهل الفاضح والتقليد الأعمى، منذ فجر الحياة، وبعدما أشارت إلى وقوف مشركي العرب، من خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، موقفا مماثلا لموقف من سبقهم إزاء بقية الرسل، اتجه خطاب الله في بداية هذا الربع إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ملقنا إياه سؤالا وجيها، موجها إلى مشركي قريش، المعتصمين بالتقاليد البالية، والمتسترين وراء تقديس ما كان عليه الآباء والأجداد، وهكذا يقول الله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} ، أي هل من المنطق والعقل أن تتبعوا التقاليد الفاسدة،
والمعتقدات الباطلة، لمجرد أن آباءكم اتبعوها وآمنوا بها، ولو كان الذي جئتكم به هو أفضل وأرشد، وأحق وأصدق، مما وجدتم عليه آباءكم؟ أليس من الحكمة والتبصر في العواقب أن تتأملوا فيما أعرضه عليكم، وأن تقارنوا بينه وبين ما وجدتم عليه آباءكم، لتهتدوا بعد الضلال، وتؤمنوا بعد الكفر.
ثم تشير الآيات الكريمة مرة أخرى إلى قصة إبراهيم الخليل عليه السلام مع أبيه وقومه، وما كان له من صراع عنيف معهم، من أجل إحقاق التوحيد الحق، وإبطال الشرك الباطل، وفي ذلك رد صريح على ما يدعيه مشركو العرب لأنفسهم، من كونهم على ملة أبيهم إبراهيم، إذ ملته الحقيقية هي ملة التوحيد لا ملة الشرك، وعقيدة التوحيد هي التي أوصى بها إبراهيم بنيه، وهي التي حملها من أبنائه وعقبه: موسى، وعيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك قوله تعالى في هذا السياق: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .