ولعل من قال: كل ما سوى الله سبحانه زوج لم يبن الأمر على ما ذكر وإنما بناه على أن الواجب جل شأنه واحد من جميع الجهات لا تركيب فيه سبحانه بوجه من الوجوه لا عقلاً ولا خارجاً ولا كذلك شيء من الممكنات مادية كانت أو مجردة {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ} أي ما تركبونه ، فما موصولة والعائد محذوف ، والركوب بالنظر إلى الفلك يتعدى بواسطة الحرف وهو في كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك} [العنكبوت: 65] بخلافه لا بالنظر إليه فإنه يتعدى بنفسه كما قال سبحانه: {لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فالتجوز الذي يقتضيه التغليب بالنسبة إلى المتعلق أو غلب المخلوق للركوب على المصنوع له لكونه مصنوع الخالق القدير أو الغالب على النادر فالتجوز في {مَا} وضميره الذي تعدى الركوب إليه بنفسه دون النسبة إلى المفعول ولتغليب ما ركب من الحيوان على الفلك.
{لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} حيث عبر عن القرار على الجميع بالاستواء على الظهور المخصوص بالدواب والضمير ل {ما تركبون} [الزخرف: 12] وأفرد رعاية للفظ ، وجمع ظهور مع إضافته إليه رعاية لمعناه ، والظاهر أن لام {لِتَسْتَوُواْ} لام كي ، وقال الحوفي: من أثبت لام الصيرورة جاز له أن يقول به هنا ، وقال ابن عطية: هي لام الأمر ، وفيه بعد من حيث استعماله أمر المخاطب بتاء الخطاب ، وقد اختلف في أمره فقيل: إنه لغة رديئة قليلة لا تكاد تحفظ إلا في قراءة شاذة نحو {فَبِذَلِكَ فلتفرحوا} [يونس: 58] أو شعر نحو قوله:
لتقم أنت يابن خير قريش...
وما ذكره المحدثون من قوله عليه الصلاة والسلام: لتأخذوا مصافكم يحتمل أنه من المروى بالمعنى ، وقال الزجاج: إنها لغة جيدة ، وأبو حيان على الأول وحكاه عن جمهور النحويين.