و بقي ثالث وهو أن المثل بمعنى الصفة, أي ليس كصفته صفة, ورابع - وهو ما عول عليه المحققون - أن المراد من (مثله) ذاته,كما في قولهم: مثلك لا يبخل,على قصد المبالغة في نفيه عنه, فإنه إذا نفي عمن يناسبه, كان نفيه عنه أولى, ثم سلكت هذه الطريقة في شأن من لا مثل له سبحانه. ووجه المبالغة أن الكناية من باب دعوى الشيء ببيّنة, وقد بينت الكناية في الآية بوجه آخر أشار إليه الشُّمنِّيّ , وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه, لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم, كما يقال: ليس لأخي زيد أخ. فأخو زيد ملزوم, والأخ لازمه, لأنه لا بد لأخي زيد من أخ هو زيد, فنُفِي هذا اللازم, والمراد نفي ملزومه, أي ليس لزيد أخ. إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ, هو زيد. فكذا نفي أن يكون لمثل الله مثل, والمراد نفي مثله تعالى - إذ لو كان له مثل, لكان هو تعالى مثل مثله, لتحقق المماثلة من الجانبين.
فلا يصح نفي مثله (أي نفي مثل ذلك المثل) وبالجملة ، فأطلق نفي مثل المثل ، وأريد لازمه من نفي المثل. قال بعض الأفاضل: طالما كنت أجد في نفسي من هذا شيئا. وذلك أن محصل هذا أن نفي المثل لازم لحقيقة الآية. وقد تقرر أولًا أنها تقتضى إثباته. ولذا أوّلوها بالأوجه المذكورة. فكيف يعقل أن إثبات الشيء ونفيه يلزمان معا لشيء واحد؟ مع تصريحهم بأن تنافي اللوازم يقتضي تنافي الملزومات ، وبفرض صحة أن كلا منهما لازم لها ، فقصرها على هذا دون ذاك تحكم مع أن القصد إبطال دلالتها على المحال ، ولا يكفي فيه قولنا إنه غير مراد كما لا يخفى ، ثم ظهر أن إثبات المثل ليس لازمًا لحقيقة الآية قطعًا بل هو محتمل فقط ، كما تحتمل نفيه وإن كان الأول أقرب ، لكن عارضه في خصوص هذه المادة أنه لو كان له مثل الخ. فبطل ذلك الاحتمال من أصله فالتعويل في نفي المثل على هذه المقدمة القطعية بخلاف المثال فافهم ذلك.