وقال مجاهد: معنى من بعدهم من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى وقيل، المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ووصفهم بأنهم (لفي شك منه) أي من القرآن أو من محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم أي مطلق التردد.
وقال القرطبي: لفي شك من الذي أوصى به الأنبياء (مريب) موقع في الريبة وهي قلق النفس واضطرابها ولذلك لم يؤمنوا.
(فلذلك) أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع (فادع) إلى الله وإلى توحيده وإلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية أو الإتباع لما أوتيته، وعلى هذا اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل، قال الفراء والزجاج: المعنى فإلى ذلك فادع، كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) (فلذلك فادع) .
(واستقم) على ما دعوت إليه فسر الراغب الإستقامة بلزوم المنهج المستقيم، فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الإستقامة، قال قتادة: استقم على أمر الله، وقال سفيان: استقم على القرآن، وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة (كما أمرت) بذلك من جهة الله تعالى.
(ولا تتبع أهواءهم) الباطلة وتعصباتهم الزائفة في ترك التوحيد، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في دين الله (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في أصول الدين، وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض لهم.