(وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة؛ وأولو العزم، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال:
(أن أقيموا الدين) أي توحيد الله، والإيمان به وطاعة رسله، وقبول شرائعه والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه، والتشمير له، وقال السدي: أي اعملوا به وقيل: المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة، قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) قال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وقال
قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام.
قال القرطبي: الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، كيفما تصورت، والإعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى: أن أقيموا الدين الخ.