{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ..} [المائدة: 91] .
ويُطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد بالفيوضات والمغفرة:
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ..} [البقرة: 152] .
وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41] كلمة عزيز لها معَانٍ منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يُغلب. ومنه قوله تعالى:
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] فالقرآن غالبٌ يعلو ولا يُعْلَى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم:
{لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .
ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بُدَّ أنْ ينبهر به شريطة أنْ يستقبله بقلب صَافٍ ووجدان غير جامد، فإنْ صادف حُسْنَ الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان من ألدِّ خصوم الإسلام إلى اللحظة التي عَلِم فيها بإسلام أخته وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سَالَ الدَّمُ من وجهها، فكان هذا الدمُ سبباً في رِقَّة قلبه رِقَّةً غلبتْ جهله، فلما سمع القرآنَ منها سمعه هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم.
إذن: فالقرآن عزيز غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المُنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
وقال:"ولن يُشَادَّ الدِّين أحدٌ إلا غَلَبه".
فإذا أردتَ أنْ تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خاليَ الذِّهْن تماماً وتُخرِج ما في قلبك من هَوىً لأيِّهما، ثم تُوازن بينهما، فما ارتحتَ له فامْضِ فيه، لذلك قال تعالى:
{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ..} [الأحزاب: 4] .
إذن: هو قلب واحد، إنْ عُمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد أنْ تُخرِج الشر أولاً لأن الشر سيطرد الخير.
يقول تعالى عن تلقِّي المنافقين والكافرين للقرآن:
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} [محمد: 16] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كِبْراً وعناداً، فردَّ الله عليهم