والقرآن هدى للذين آمنوا وهو للذين لا يؤمنون بالضد؛ لأن (فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ) عن سماعه (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) .
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41)
المعنى هذا منتظم المعنى بالتنزيل المذكور صدر السورة وبخاصة
بقوله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي) إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا)
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41) . أي: ممتنع محفوظ (لَا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ... (42) . صدقته الكتب قبله ولا يبطله في
المستقبل مبطل.
قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) . لذلك أتبع
بقوله: (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) والتنزيل هو: التقريب والتفهم
والتيسير.
قال الله - جل من قائل: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)
فالروح من أمره وهو الحق، والقدس صفته وهو الحق، والملك حصوله وهو الحق،
فكل ذلك حق من حق إلى حق وللحق (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)
فأي سبيل للباطل عليه؟ جل كتاب الله عن ذلك، (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) .
وأمَّا قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) والقرآن
لا يوصف بأن له وراء ولا أمام؛ إذ هو كلام الله وكلامه صفة له، فإنه ليس بمنكر
عند أولي النهي العبارة عن معاني هذه المعالي بعبارات تشبه عبارات الظواهر
مجازًا واتباعًا، ويقام ذلك مقام الحقيقة، كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ليس وراء الله مرمى".
وقال الله - جل من قائل: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى(42) .
وكقوله - جل من قائل: (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)
ولا بعد له، فكذلك مفهوم هذا الخطاب مع ما تقدم من التوجيه فيه قبل هذا. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 46 - 53} ...