إيجادها بعد إيجاده، فأوجد السماء أولاً دخانًا ورفعه.
قال الله - عز وجل -: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) ثم أوجد الأرض وهي التربة
خشعة على الماء، وكان في خلقهِ التربة خلقة كل شيء خلقه من الأرض سبق في
تقديره أن يوجده عنها وفيها.
كما قال: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فعطف
بحرف"ثم"بعد أن قد ذكر أنه قد خلقنا، ومعلوم أنه لم يخلق حواء إلا قبل إيجاده
إيانا لا محالة، وإنما خلقنا يومئذٍ؛ تقديرًا، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن اللَّه لما خلق"
آدم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية أمثال الذر..."ثم قال - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله خلق
الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء"وليسر ذلك عليه"
وصادق ضمانه يخبر عن كون الكائنات قبل إيجاده إياها بحال الظهور، ولما أوجد
السماء دخانًا رفعه، ثم أوجد الأرض نزية استوى إلى السماء، وذكره الاستواء إلى
ما هو الأعلى أولى لنزاهته؛ إذ الاستواء بما هو مفهومه العلا.
(فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11) . أي:
نحن وما فينا وما بيننا، وذكر الطوع هنا معناه: التبرؤ من الحول والقوة، وإخراج
الفعل على سنن التسخير والتيسير لا على تحمل الأمانة بمعنى دعوى، فكان يلزم
عن ذلك اختبار وامتحان (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) . أي: فصلهن بعضهن
عن بعض، أولهما: قضاؤه السماء، والثاني: قضاؤه الأرض، وفصلهن بعضهن عن
بعض، وقد عبر عن خلقه الأرض في يومين: الأول منهما: لإيجاده السماء، والثاني:
لإيجاده الأرض، ذكر في إخباره عنهما يومين للسماء ويومين للأرض، فيومين من
حيث العدد، وأربعة من حيث الفعل؛ إذ انقضاء اليوم هو انقضاء الفعل.
ثم قال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا
السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ... (12) .
وقال في الأرض: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) ولم يجعل