وقوله: {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 22] الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي:"يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم"إذا كنتَ لا تستطيع أنْ تفعل في إنسان مثلك عملاً يسوؤه على مرأى ومسمع منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟
{وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ}
قوله: {وَذَلِكُمْ ..} [فصلت: 23] أي: أفعالكم التي فعلتموها {ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ ..} [فصلت: 23] يعني: ظننتم أنه سبحانه لا يعلم ما تفعلون {أَرْدَاكُمْ ..} [فصلت: 23] يعني: أهلككم هذا الظن {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ} [فصلت: 23] .
{فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ}
أي: فإنْ يصبروا على ما هم عليه ويصروا على الكفران والجدل مع الرسل، ماذا يحدث {فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} [فصلت: 24] أمر من اثنين. الإنسان حين يخالف أوامر خالقه ويأتيه رسول يقول له، لا تفعل فإنْ كفّ فهو خير له، وإنْ أصرَّ وتمادى فالنار مثوىً له.
ومعنى {يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} [فصلت: 24] يستعتبوا يطلبون العتبى. يقال: عتب فلان على فلان. يعني: لامه على أمر ما كان يصح أنْ يكون منه، يقول: مثلاً أنا مرضتُ فلم تزرني، هذا عتاب، فيقول: معذرة فقد كنت مشغولاً بكذا وكذا فساعة يُبيِّن له العذر فقد أعتبه يعني أزال عتبه، وهذا لا يكون لهم في الآخرة فإن طلبوا العتاب لم يعتبوا.
لذلك جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن آذاه قومها، قال فيما قال صلى الله عليه وسلم وهو يناجي ربه:"لك العُتْبى حتى ترضى"يعني: إنْ كان بدر مني شيء يغضبك فأنا أزيله وأعترف أنني ضعيف أطلب قبول العتاب.
لذلك قال الشاعر:
أمَّا العتَابُ فَبالأحبّةِ أَخْلَقُ ... والحُبُّ يصْلُح بالعتَابِ ويصْدُقُ