{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ} أي: في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام ، فهي لا تفقه ما تقول ، ولا يصل إليها قولك ، والأكنة جمع كنان ، وهو: الغطاء ، قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل ، وقد تقدّم بيان هذا في البقرة {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي: صمم ، وأصل الوقر الثقل.
وقرأ طلحة بن مصرف: (وقر) بكسر الواو.
وقرئ بفتح الواو والقاف ، و"من"في {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} لابتداء الغاية ، والمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا ، وابتدأ منك ، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا ، وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها ، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق ، ومج أسماعهم له ، وامتناع المواصلة بينهم ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم {فاعمل إِنَّنَا عاملون} أي: اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا.
وقال الكلبي: اعمل في هلاكنا ، فإنا عاملون في هلاكك.
وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك ، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها.
وقيل: اعمل لآخرتك ، فإنا عاملون لدنيانا.
ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا ، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ} أي: إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي ، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه ، وفي آذانكم وقر ، ومن بيني ، وبينكم حجاب ، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل ، وإنما أدعوكم إلى التوحيد.
قرأ الجمهور: {يوحى} مبنيا للمفعول.
وقرأ الأعمش ، والنخعي مبنياً للفاعل ، أي: يوحي الله إليّ.
قيل: ومعنى الآية: إني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسراً ، فإني بشر مثلكم ، ولا امتياز لي عنكم إلاّ أني أوحى إليّ التوحيد ، والأمر به ، فعليّ البلاغ وحده ، فإن قبلتم رشدتم ، وإن أبيتم هلكتم.