والمقدار: النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية ، فمعنى {قدر فيها أقواتها} أنه خلق في الأرض القُوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحَبّ للحبوب ، والكَلأ والكمْأة ، والنَّوى للثمار ، والحرارةِ التي يَتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير ، وما يتولد منه الحيتان ودَوابّ البحار والأنهار.
ومن التقدير: تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال.
وأشار إلى ذلك قوله: {واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً} [نوح: 17] ويأتي القول فيه ، وقوله: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] وقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} [النحل: 80] الآية.
وجمع الأقوات مضافاً إلى ضمير الأرض يفيد العموم ، أي جميع أقواتها وعمومُه باعتبار تعدد المقتاتين ، فللدواب أقوات ، وللطير أقوات ، وللوحوش أقوات ، وللزواحف أقوات ، وللحشرات أقوات ، وجُعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} ومضى الكلام عليه في سورة البقرة (29) .
وقوله: {فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ} فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جِرمِها ، وما عليها من رواسي ، وما فيها من القوى ، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليوماننِ اللذان في قوله: {فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9] فكأنه قيل: في يَومين آخرين فتلك أربعة أيام ، فقوله في {أرْبَعَة أيام} فذلكة ، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإِيجاز واعتماداً على ما يأتي بعدُه من قوله: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت: 12] ، فلو كان اليومان اللذان قضى فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار مجموع الأيام ثمانية ، وذلك ينافي الإِشارة إلى عِدّة أيام الأسبوع ، فإن اليوم السابع يوم فراغ من التكوين.
وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة كاملة متناسبة.