فإن قلت: لم ذكر السماء مع الأرض وانتظمهما في الأمر بالإتيان ، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولاً غير مدحوة ، ثم دحاها بعد خلق السماء ، كما قال: {والأرض بعد ذلك دحاها} فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ؛ ائت يا أرض مدحوة قراراً ومهاداً لأهلك ، وائت يا سماء مقببة سقفاً لهم.
ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع ، كما يقول: أتى عمله مرضياً مقبولاً.
ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة ، والتدبير من كون الأرض قراراً للسماء ، وكون السماء سقفاً للأرض ، وينصره قراءة من قرأ: أتيا وأتينا من المواتاة ، وهي الموافقة ، أي لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها ، قالتا: وافقنا وساعدنا.
ويحتمل وافقا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا.
فإن قلت: ما معنى طوعاً أو كرهاً؟ قلت: هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال ، كما يقول الجبار لمن يحب بلوه: لتفعلن هذا شئت أو أبيت ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً.
وانتصابهما على الحال بمعنى طائعتين أو مكرهتين.
فإن قلت: هلا قيل طائعتين على اللفظ أو طائعتان على المعنى لأنهما سموات وأرضون؟ قلت: لما جعلت مخاطبات ومجيبات ، ووصفت بالطوع والكره ، قيل: طائعين في موضع طائعات نحو قوله: ساجدين.
انتهى.
وقرأ الجمهور: ائتيا من الإتيان ، أي ائتيا أمري وإرادتي.
وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: أتيا على وزن فعلا ، قالتا: أتينا على وزن فعلنا ، من آتى يؤتى ، كذا قال ابن عطية ، قال: وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما ، والإشارة بهذا كله إلى تسخيرها وما قدره الله من أعمالها. انتهى.