وتقدم في كلام الزمخشري أنه جعل هذه القراءة من المواتاة ، وهي الموافقة ، فيكون وزن آتيا: فاعلاً ، وآتينا: فاعلنا ، وتقدمه إلى ذلك أبو الفضل الرازي قال: آتينا بالمد على فاعلنا من المواتاة ، ومعناه: سارعنا على حذف المفعول منه ، ولا يجوز أن يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف مفعوله. انتهى.
وقرأ الأعمش: أو كرهاً بضم الكاف ، والأصح أنه لغة في الإكراه على الشيء الموقوع التخيير بينه وبين الطواعية ، والأكثر أن الكره بالضم معناه المشقة.
قال ابن عطية: وقوله قالتا ، أراد الفرقتين المذكورتين: جعل السماوات سماء ، والأرضين أرضاً ، وهذا نحو قول الشاعر:
ألم يحزنك أن حبال قومي ...
وقومك قد تباينتا انقطاعاً
وعبر عنها بتباينتا. انتهى.
هذا وليس كما ذكر ، لأنه إنما تقدم ذكر الأرض مفردة والسماء مفرد لحسن التعبير عنهما بالتثنية ، والبيت هو من وضع الجمع موضع التثنية ، كأنه قال: ألم يحزنك أن حبلى قومي وقومك؟ ولذلك ثنى في قوله: تباينتا ، وأنث على معنى الحبل ، لأنه لا يريد به الحبل حقيقة ، إنما عنى به الذمة والمودة التي كانت بين قومهما.
والظاهر من هذه الآية أنه خلق الأرض وجعل فيها الرواسي وبارك فيها ، ثم أوجد السماء من الدخان فسواها سبع سموات ، فيكون خلق الأرض متقدماً على خلق السماء ، ودحو الأرض غير خلقها ، وقد تأخر عن خلق السماء ، وقد أورد على هذا أن جعل الرواسي فيها والبركة.
وتقدير الأقوات لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض موجودة.
وقوله: {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها} مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها ، ولا يمكن ذلك إلا بعد صيرورتها منبسطة.
ثم قال بعد: {ثم استوى إلى السماء} ، فاقتضى خلق السماء بعد خلق الأرض ودحوها.