ومن في {مما تدعونا} إليه لابتداء الغاية ، وكذا في {ومن بيننا} .
فالمعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب ، لا فراغ فيها ، ولو لم يأت بمن لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين ، والمقصود المبالغة بالتباين المفرط ، فلذلك جيء بمن.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة ، كما قيل: {وفي آذاننا وقر} ، ليكون الكلام على نمط واحد؟ قلت: هو على نمط واحد ، لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: {قلوبنا في أكنة} ، والدليل عليه قوله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم} ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة ، لم يختلف المعنى ، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني ، وتقول: إن في أبلغ في هذا الموضع من على ، لأنهم قصدوا إفراط عدم القبول ، لحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف ، فلا يمكن أن يصل إليها شيء.
كما تقول: المال في الكيس ، بخلاف قولك: على المال كيس ، فإنه لا يدل على الحصر ، وعدم الحصول دلالة الوعاء.
وأما في قوله: {إنا جعلنا} ، فهو من أخبار الله تعالى ، لا يحتاج إلى مبالغة ، بخلاف قولهم.
وقول الزمخشري: وترى المطابيع ، يعني من العرب وشعرائهم ، ولذلك تلكم الناس في شعر حبيب ، ولم يستحسن بعضهم كثرة صنعة البديع فيه ؛ قالوا: وأحسنه ما جاء من غير تكلف.
{فاعمل إننا عاملون} قال الكلبي: في هلاكنا إنا عاملون في هلاكك.
وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك ، فإننا عاملون لآلهتنا التي نعبدها.
وقال الفراء: اعمل على مقتضى دينك ، ونحن نعمل على مقتضى ديننا ، وذكر الماوردي: اعمل لآخرتك ، فإنا نعمل لدنيانا.
ولما كان القلب محل المعرفة ، والسمع والبصر معينان على تحصيل المعارف ، ذكروا أن هذه الثلاثة محجوبة عن أن يصل إليها مما يلقيه الرسول شيء.