واختلف المتأولون في معنى: {للسائلين} فقال قتادة والسدي معناه: سواء لمن سأل عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال عز وجل. وقال ابن زيد وجماعة معناه: مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر ، فعبر عنهم ب"السائلين"بمعنى الطالبين ، لأنهم من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به ، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء إذ هم أهل حاجة إليها ، ولفظة {سواء} تجري مجرى عدل وزور في أن ترد على المفرد والمذكر والمؤنث.
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
{استوى إلى السماء} معناه بقدرته واختراعه أي إلى خلق السماء وإيجادها.
وقوله تعالى: {وهي دخان} روي أنها كانت جسماً رخواً كالدخان أو البخار ، وروي أنه مما أمره الله أن يصعد من الماء ، وهنا لفظ متروك ويدل عليه الظاهر ، وتقديره: فأوجدها وأتقنها وأكمل أمرها ، وحينئذ قيل لها وللأرض {ائتيا طوعاً أو كرهاً} .
وقرأ الجمهور:"إيتيا"من أتى يأتي"قالتا أتينا"على وزن فعلنا ، وذلك بمعنى إيتيا وإرادتي فيكما ، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد:"آيتيا"من آتى يؤتى"قالتا آتينا"على وزن أفعلنا ، وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما ، والإشارة بهذا كله إلى تسخيره وما قدره الله من أعمالها.
وقوله: {أو كرهاً} فيه محذوف ومقتضب ، والتقدير: {ائتيا طوعاً} وإلا أتيتما {كرهاً} . وقوله: {قالتا} أراد الفرقتين المذكورتين ، وجعل السماوات سماء والأرضين أرضاً ، ونحو هذا قول الشاعر: [الوافر]
ألم يحزنك أن حبال قومي... وقومك قد تباينتا انقطاعا
جعلها فرقتين ، وعبر عنها ب {ائتيا} .