{إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72] وهذا يدل على كونها عارفة بالله ، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها ، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله {ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة ، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجوداً ، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة ، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب ، فلم يجز توجيه الأمر عليها ، فإن قال قائل: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها ، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} حدوثهما في ذاتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما ، إلا أن هذا الكلام باطل ، لأنه تعالى قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ} والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث السماوات إنما حصل بعد قوله {ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث.
القول الثاني: أن قوله تعالى: {قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السماوات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع ، ونظيره قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال الوتد: أسأل من يدقني ، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي.