أطلقوا اسم الحجاب على ما يمنع نفوسهم أن يأخذوا بالدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كراهية دينه وتجافي تقلده بجامععِ أن الحجاب يحول بين الرائي والمَرْئِيّ فلا ينظر أحدهما الآخر ولا يصل إليه ، ومرادهم البراءة منه.
مثل نبوّ قلوبهم عن تقبُّل الإسلام واعتقاده بحال ما هو في أكنّة ، وعدمَ تأثر أسماعهم بدعوته بصَم الآذان ، وعدمَ التقارب بين ما هم عليه وما هو عليه بالحجاب الممدود بينه وبينهم فلا تلاقيَ ولا ترائيَ.
وقد جمعوا بين الحالات الثلاث في التمثيل للمبالغة في أنهم لا يقبلون ما يدعوهم إليه.
واجتلابُ حرف {مِن} في قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ} لتقوية معنى الحجاب بين الطرفين وتمكن لازمه الذي هو بُعد المسافة التي بين الطرفين لأن {مِن} هذه زائدة لتأكيد مضمون الجملة.
وضمير {بيننا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {أكثرهم} [فصلت: 4] .
وعطف وبينك تأكيد لأن واو العطف مغنية عنه وأكثر استعمال (بين) أن يكون معطوفاً عليه مثله كقوله تعالى: {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} [الزخرف: 38] .
وقد جعل ابن مالك (من) الداخلة على (قبل) و (بعد) زائدة فيكون (بَين) مقيساً على (قبل) و (بعد) لأن الجميع ظروف.
وهذا القول المحكي عنهم في القرآن بـ {قالوا} يحتمل أن يكون القرآن حكاه عنهم بالمعنى ، فجمع القرآن بإيجازه وبلاغته ما أطالوا به الجدال وأطنبوا في اللجاج ، ويحتمل أنه حكاه بلفظهم فيكون مما قاله أحد بلغائهم في مجامعهم التي جمعت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر ما في سيرة ابن إسحاق ، وزعم أنهم قالوه استهزاء وأن الله حكاه في سورة الكهف.