وجيء بقوله: {نذيراً} معطوفاً بالواو للتنبيه على اختلاف موقع كل من الحالين فهو بشير لقوم وهم الذين اتبعوه ونذير لآخرين ، وهم المعرضون عنه ، وليس هو جامعاً بين البشارة والنذارة لطائفة واحدة فالواو هنا كالواو في قوله: {ثيبات وأبكارا} [التحريم: 5] بعد قوله: {مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات} [التحريم: 5] .
وتفريع {فأعْرَضَ أكْثَرُهُم} على ما ذكر من صفات القرآن.
وضمير {أكثرهم} عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون كما هي عادة القرآن في غير موضع.
والمعنى: فأعرض أكثر هؤلاء عما في القرآن من الهدى فلم يهتدوا ، ومن البشارة فلم يُعنوا بها ، ومن النذارة فلم يحذروها ، فكانوا في أشد الحماقة ، إذ لم يعنوا بخَير ، ولا حَذِرُوا الشر ، فلم يأخذوا بالحيطة لأنفسهم وليس عائداً ل {قوم يعلمون} لأن الذين يعلمون لا يُعرض أحد منهم.
والفاء في قوله: {فَهُمْ لا يَسْمَعُون} للتفريع على الإِعراض ، أي فهم لا يُلقون أسماعهم للقرآن فضلاً عن تدبره ، وهذا إجمال لإِعراضهم.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في {فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} دون أن يقول: فلا يسمعون لإِفادة تقوّي الحكم وتأكيده.
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)
عطف {وقالوا} على {فأعرض} [فصلت: 4] أو حالٌ من {أكثرهم} [فصلت: 4] أو عطف على {لا يَسْمَعُونَ} [فصلت: 4] ، أو حال من ضميره ، والمعنى: أنهم أعرضوا مصرحين بقلة الاكتراث وبالانتصاب للجفاء والعداء.
وهذا تفصيل للإعراض عما وُصف به القرآن من الصفات التي شأنها أن تقربهم إلى تلقيه لا أن يَبعدوا ويعرضوا وقد جاء بالتفصيل بأقوالهم التي حرمتهم من الانتفاع بالقرآن واحداً واحداً كما ستعلمه.