ينزل: (ادعونِي) معناه: اعبدوني، والاستجابة من العباد لربهم هي العبادة له
والطاعة، لذلك ختم الآية بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ (60) . أي: صاغرين.
كما قال في غير هذا الموضع:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي)فجعل استجابة
العباد له الإيمان والعمل بطاعته وإلا فما كانت تكون استجابتهم له، ولما تردد معنى
الاستجابة إلى قضاء الحوائج والغياث والنصر ونحو هذا، وإلى العمل بما يرضيه
والإيمان به، قال رسول - صلى الله عليه وسلم -:"سائل الله بين ثلاث: إما أن يعجل له، وإما أن يؤجل،"
فهذه طلبته وسؤله"ثم قال:"وإما يدخر له"لما كان الدعاء والسؤال بنفسه عملاً"
ولم يكن مما سبق في قضائه الإسعاف بذلك المسئول [دخره] وخبأه له عنده؛ فهو
على كل وجه مستجيب مجيب لعباده الذين استجابوا له بالإيمان؛ ومن أسمائه:
المجيب، لذلك لم يجب سائله المؤمن، والحمد لله رب العالمين.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أي: له استجابة الحق، إما الإسعاف
وقضاء الحوائج، وإما الادخار، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء.
وحكى - جل ذكره - عن الرجل الصالح - رضي الله عنه - قوله لقومه:(لَا جَرَمَ أَنَّمَا
تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)يقول: ليس لمعبود من
دون الله إجابة في الدنيا ولا في الآخرة، فجمع المعنيين اللذين في الحديث(وَأَنَّ
مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)المسرف: هو من دعا من لا يستجيب له،
ثم بعد هذا هم درجات عند الله على قدر حسن الاستجابة وصدق الإنابة، واجتناب
المناهي كلها ظاهرها وباطنها، والمسارعة في طلب مرضاته، وهذا صدق الاستجابة
من العبد لربه تعالى، وعلى مقدار تغلغله في ذلك وصدقه تكون سرعة الاستجابة
من ربه له، إنما يستجيب له من درجته، هو الذي لا يخلف وعده ولا ينقض عهده.