قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس .. إلخ.
قال: فلماذا خُلِق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خَلْقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا.
أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد به تتكلم وتعبِّر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صِغَر حجمه تتذوَّق به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذَّ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ به يلفظه وكأنه (كنترول) على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ويُرغِّبك فيه، لأن به استبقاءَ الحياة والقوة التي نُحقِّق بها مطلوب الله منَّا.
ثم ألا ترى حكمة في قُرْب مدخل الطعام من الأنف الذي يشمُّ، والعين التي تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شَمِّ رائحته قبل أنْ تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم
{وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جَفْناً ينقبض، وينفتح حسب إرادتك، وفوق العين حاجبٌ يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتُطهِّرها كما تفعل (المسَّاحة) التي تمسح زجاج السيارة.
والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونُوظف حاسة الشم عند الكلب مثلاً للكشف عن الجرائم والمجرمين.
هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسانٌ صَفَتْ نفسُه، وسلمت فطرته، فتوصَّل إلى الحق بقليل من التأمل.
إذن: فقوله تعالى {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا عن الحق وهو واضح.
لذلك قال تعالى في سورة البقرة:
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ..}