فهم يتعبون ويعيشون حياة قاسية في تقشُّف ليتفرغوا للبحث والدراسة للوصول إلى سِرٍّ من أسرار الله في كونه، وفي النهاية ينتفع الناس بأعمالهم، ويُحْرمون هم ثواب هذا العمل.
وقوله: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] الرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مجرد المال كما يظن البعض، فالعافية رزق، والسلامة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، كلُّ ما تنتفع به رزقٌ لك {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] كلمة حساب تعني: أنك تحسب للشيء حساباً على قدره.
أما في الآخرة فالرزق فيها بغير حساب، أي: بغير حساب من أحد لأن المعطي الرازق هو الله، والله حين يعطيك لا يعطيك على قدر عملك، إنما يعطيك على قدره هو سبحانه.
وحين يأتيك الخير غير المظنون تقول: لم أكُنْ أعمل له حساباً، فمعنى {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] يعني: طلاقة قدرة في العطاء، قدرة تعطى للمعطي بلا حساب مُسبَّب منه، وبلا حساب على قدرك، فالمسألة إذن واسعة.
قالوا: ومن غير الحساب في الجنة أنك تأكل ولا تتغوط، كيف؟ لأنك تأكل بطهي الله لك، وما دُمْت تأكل بطهي الله الخالق فلا بدَّ أن يعطيك الغذاء على قدر مقومات الحياة دون زيادة، فمن أين تأتي الفضلات إذن؟ ولماذا ننكر هذه المسألة أو حتى نتعجب منها ونحن نراها في الدنيا رغم إمكاناتنا المحدودة؟
ألا تراهم في الحروب مثلاً يعطون الجنود حبوباً خاصة تحلُّ محلَّ الغذاء تعطيهم الطاقة اللازمة دون زيادة، ولا تترك في الجسم فضلات للتغوط؟ فإذا كان المخلوق فعل هذا فما بالك بالخالق سبحانه؟
وقد تأكل في الجنة بغير حاجة للطعام، تأكل لمجرد التمتع بالأكل، وقد لا تجتاج إلى الطعام أصلاً؛ لذلك قالوا: أفضل درجات الجنة وأحسن نعيمها في عليين لأنها مرتبة ليس فيها شيء من مُتَع الحياة إلا أنْ ترى ربك عز وجل وكفى بها نعمة، فأنت في حضرته تعالى لا تحتاج أصلاً إلى هذه المتع.
لذلك لما ذهب الشَّعبي إلى ملك الروم وسأله الملك: أنتم تدَّعون أنكم في الجنة تأكلون ولا تتغوطون، فكيف ذلك؟ قال: وما العجب في ذلك؟ ألم تر إلى الطفل في بطن أمه كيف يتغذَّى وينمو، فهل يتغوَّط في بطنها، إنه لا يتغوط ولو تغوَّط لاحترق في مشيمته، كذلك المؤمن في الجنة.