إذن: دعاء الجماعة أَوْلَى بالقبول من دعاء الفرد، لذلك كانت صلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، أنت ترى التاجر مثلاً يبيع السلعة فيها المعطوبة وفيها السليمة، فإذا ناقشته وقلتَ له لا آخذ المعطوبة مثلاً يقول لك: هذه صفقة واحدة المعطوبة في السليمة، كذلك نحن في صلاة الجماعة نداري المعطوبة في السليمة أملاً في أنْ تُقبل الصفقة كلها.
فمن أيِّ شيء استعاذ سيدنا موسى؟ {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] هكذا بصيغة الجمع وبالوصف {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ .. } [غافر: 27] ولم يصرح باسم خصمه فرعون صاحب القضية ومُدَّعي الألوهية ومهدده بالقتل، فلماذا؟
قالوا: لم يُذْكر فرعون في هذا المقام لأمرين:
الأول: حتى لا يجعل فرعون في مقابل الله لو قال: إني عُذْتُ بربي من فرعون، ثم إن فرعون لم يكُنْ وحده، بل كان معه آخرون على شاكلته، فأراد أنْ يجمعهم بكلمة تشمل كل متكبر.
الأمر الآخر: أن سيدنا موسى هنا يراعي حقَّ التربية ويحفظ لفرعون هذا الجميل فلم يصرح باسمه، ويكفي أنه داخلٌ ضمن هذا الوصف {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] .
لذلك نجد القرآن الكريم جعل التربية شقيقة الولادة، يعني الابن في الدم مثل الابن في التربية، فقال سبحانه:
{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ .. } [لقمان: 14] ثم خصَّ الأم بالحيثية
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ .. } [لقمان: 14] لماذا يذكر القرآنُ هذه الحيثية للأم؟
قالوا: لأن هذه الحيثية لا يدركها الولد وهو طفل، في حين يدرك بعد ذلك فضلَ والده فذكَّره الله بفضل أمه لأنه لم يشهده، ثم يقول سبحانه:
{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] فِعلَّة الدعاء هنا التربية، سواء أكانت للأم التي ولدت، أم للأم التي ربَّتْ، فمن ربِّي غير ولده كان أهلاً لأنْ يدعي له هذا الدعاء
{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] .
وقوله: {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] يعني: اجتمعتْ فيه خَصْلتان من خصال الشر، فهو متكبر يعني قاسي القلب، وقسوة القلب لا تردعه عن القهر والجبروت، ثم هو لا يؤمن بالحساب فلا يخاف من القصاص، ولا يعمل حساباً للعواقب، ومثل هذا لا أملَ في إصلاحه. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...