أجيب: بأنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمون في الدنيا كما قال تعالى: {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} (فصلت: (
وقال تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} (النساء: (
وهو معنى قوله تعالى: {وبرزوا لله الواحد القهار} (إبراهيم: (
ولما أخبر تعالى عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب أخبرهم بما يزيد رعبهم ويبعث رغبتهم وهو نتيجة تفرده بالملك فقال تعالى:
{اليوم تجزى} أي: تقضى وتكافأ {كل نفس بما} أي: بسبب ما {كسبت} أي: عملت لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم ، والحكمة قد منعت إهمال أحد منهم فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {لا ظلم اليوم} أي: بوجه من الوجوه {إن الله} أي: التام القدرة الشامل للعلم {سريع الحساب} أي: بليغ السرعة فيه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير ولا يشغله شأن عن شأن لأنه تعالى لا يحتاج إلى تكلف عدّ ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب ولا شيء ، فكان في ذلك ترجية وخوف الفريقين لأن المؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب والظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب ، وعن ابن عباس: إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها.
ثم نبه تعالى بقوله سبحانه:
{وأنذرهم يوم الآزفة} أي: القيامة على أن يوم القيامة قريب ، ونظيره قوله تعالى: {اقتربت الساعة} (القمر: (
قال الزجاج: إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن ما هو كائن قريب ، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر كقوله تعالى في صفة القيامة: {أزفت الآزفة} (النجم: (
أي: قربت قال النابغة:
*أزف الترحل غير أن ركابنا ** لما تزل برحالنا وكان وقد*
وقال كعب بن زهير: