فهل يُقال للكافرين وللعاصين أيضاً عباد؟
قالوا: نعم: لأن الإنسان له وضعان بالنسبة لربه تعالى: وَضْع له فيه اختيار، وهي قوة الاختيار التي خلقها الله في الإنسان بحيث يفعل ما يشاء، حتى إنه يفعل لما لا يريده منه ربه سبحانه. وهناك وَضْع آخر ليس له فيه اختيار، وهي الأمور القهرية التي لا اختيارَ للعبد فيها.
فالإنسان مثلاً قد يتمرد على منهج ربه، وقد يخالفه ويشذ عنه، فنقول له: ما دُمت قد ألفتَ التمرد فتمرد على كل شيء، تمرد على المرض تمرد على الموت .. إنه لا يستطيع، لأنها أمور قهرية لا اختيار له فيها. إذن: فهو في هذا الوضع محكوم بالعبودية قهراً، فهو لا يخرج عن عبوديته لله حتى لو كان كافراً، وحين نقول للكافرين (عباد) فلأنهم في شق من تصرفاتهم لا يتأبَّوْنَ فيه على الله، بل هم فيه مقهورون.
لذلك قال تعالى عنهم في الآخرة:
{أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17] .
هذا خطاب للمضلِّين فسمَّى الضالين عباداً، لماذا؟ لأن الكلام هنا في الآخرة حيث يستوي الجميع، فالكل هناك طائع صالح مؤمن، كلهم في الآخرة عباد وعبيد. أما في الدنيا فكلهم عبيد وبعضهم عباد.
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}
تذكرون أننا قلنا في الحديث عن الشفاعة أن المذْنب يُعرض على ربه عز وجل أن يدفع الفدية ليغفر له فلا يُقبل منه عدل، فيأتي بمَنْ يشفع له فتُردّ شفاعته، فلنفرض أن عنده الدنيا بحذافيرها يملكها ويقدمها عدلاً لسيئاته، بل أكثر من ذلك، عنده ما في الأرض جميعاً {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [الزمر: 47] مع أن هذه الحالة لم تحدث لأحد، لكن على فرض أنها حدثت وقدَّم العاصي ذلك كله ليفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة فلن يُتقبل منه.
وقوله سبحانه: {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 47] يدل على أن الإنسان قبل أن يُؤمِّنَ لنفسه النعيم يريد أنْ ينجوَ من العذاب فهذا هو الأهم؛ لذلك الرجل المغرور صاحب الجنتين في سورة الكهف لما اغترَّ بعمله وظنَّه صالحاً قال:
{وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}