وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة، وجهالة عظيمة؛ لأنهم إذا علموا أنَّ الخالق لهم ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه فكيف استَحْيَنَتْ عقولهم عبادة غير خالق الكل وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول، وكمال الإدراك، والفطنة التافة، ولكنهم لمَّا قلدوا أسلافهم، وأحسنوا الظن بهم .. هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل. وفي"التأويلات النجمية": يشير إلى إنّ الإيمان الفطري مركوز في جبلة الإنسان من يوم الميثاق، إذ أشهدهم الله على أنفسهم، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} كما قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} . وقال - صلى الله عليه وسلم -:"كل مولود يولد على الفطرة"، فلا يزال يوجد في الإنسان وإن كان كافرًا أثر ذلك الإقرار، ولكنّه غير نافع إلَّا مع الإيمان الكسبيّ بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاؤوا به. انتهى.
ثمّ أمر الله سبحانه رسوله أن يبكّتهم ويوبِّخهم بعد هذا الاعتراف، فقال: {قُلْ} لهم يا محمد تبكيتًا وتوبيخًا لهم: {أَفَرَأَيْتُمْ} ؛ أي: أخبروني، جعل الرؤية وهو العلم الذي هو سبب الإخبار مجازًا عن الإخبار، {مَا تَدْعُونَ} ؛ أي: تعبدون، و {مَا} : عبارة عن الآلهة، {مِنْ دُونِ اللَّهِ} سبحانه، {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} والضرّ: سوء الحال أيًّا كان، من مرض وضيق معيشة وشدّة وبلاء، و {الهمزة} في {أَفَرَأَيْتُمْ} : للاستفهام الإنكاريّ، داخلة على محذوف، و {الفاء} : عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفكّرتم ما أقررتم فرأيتم ... إلخ.