ومنها: قوله: {مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35] ؛ أي مُلكاً لا يطلع على حقيقته وكماليته أحد حتى يطلبه منك؛ يعني: يكون في جملة"ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"ليطلبه.
ومنها: قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35] ؛ أي لا يكون هذا الملك ملتمس أحد منك غير للتمتع والانتفاع به، وهو بمعزل عن قصدي ونيِّتي عن طلب هذا، فإن لي في هذا المُلك نية لنفسي، ونية لقلبي، ونية لروحي، ونية للرعايا، ونية للملك.
وأما نيته لنفسه: فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة، وذلك في منعها عن استيفاء شهواتها الحيوانية، وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار، وإنما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع، وكمالية في المملكة بحيث يعوذ فيها مما تحرك داعية من دواعي البشرية المركوزة في جبل الإنسانية؛ ليكون كل واحد من المشتهيات والمستلذَّات النفسانية محرك لراعية تناسبها عند تملكها، والقدرة عليها عند توقان النفس إليها، وغلبات هواها، فيحرم على النفس مراضعها، ويحرمها عن مشاربها، ونهاها عن هداها خالصاً لله وطالباً لمرضاته، فتموت النفس عن صفاتها كما يمةت البدن عن إعواز ما هو غذاء يعيش به، فلما ماتت النفس عن صفاتها الذميمة يحييها الله تعالى بالصفات الحميدة، كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، فلا يبقى لها نظر إلى الدنيا وسائر نعيمها، كما كان حال سليمان لم يكن له نظر إلى الدنيا ونعيمها، إنما كان مع تلك الوسعة في المملكة يأكل كسيرة من كسب يده مع جليس مسكين، ويقول: جالس مسكيناً.