وبقوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 33] ، يشير إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة يلزمك أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا الله، وبقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34] ، يشير إلى إلقاء وسوسة شيء من الشهوات الجسدانية على كرسي صدر سليمان القلب، فافتتن به إلى أن تاب منه، ورجع إلى الحضرة.
ثم أخبر عن الإجابة بعد الإنابة بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35] ، يشير إلي معانٍ مختلفة:
منها: إنه أراد طلب المُلك الذي هو رفعة الدرجة، بني الأمر في ذلك على التواضع الموجب للرفقة؛ وهو قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} [ص: 35] .
ومنها: إنه قدم طلب المغفرة؛ لأنه لو كان طلب المُلك ذلة عن حق الأنبياء - عليهم السلام - تكون مسبوقة بالمغفرة لا يطالب بها.
ومنها: إن المُلك مهما يكن في يد مغفور له منظور بنظر العناية ما يصدر منه تصرف في الملك إلا مقروناً بالعدل والنصفة، وهو محفوظ من آفات الملك وتبعاته.
ومنها: قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35] ؛ أي: يكون ذلك موهوباً له، بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من يشاء، كما هي السنة الإلهية جارية فيه.
ومنها: قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35] ؛ أي: لا يطلبه أحد غيري؛ لئلا يقع في فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ، فإن المُلك جالب للفتنة، كما كان جالباً إلى سليمان عليه السلام بقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} [ص: 34] ؛ ولئلا يكون هو سبب افتتانهم.