78 - {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} ؛ أي: إبعادي عن الرحمة، فإن اللعن: طرد، أو إبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره.
وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة، والثقلين أيضًا من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله، وإبعاده من الرحمة، قال بعضهم: اللعنة المطلقة أيضًا هي لعنة الله تعالى؛ لأن اللام عوض عن المضاف إليه، فمآل الآيتين واحد. ويجوز أن يكون المعنى: وإن عليك لعنتي على ألسنة عبادي يلعنونك {إِلى يَوْمِ الدِّينِ} ؛ أي: إلى يوم الجزاء والعقوبة.
قال زكريا: قال سبحانه في سورة الحجر: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} بتعريف الجنس، ليناسب ما قبله من التعبير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ} {وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ} ، وقال هنا: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} بالإضافة ليناسب ما قبله من قوله: {لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، انتهى.
فَإِنْ قُلْتَ: كلمة {إِلى} لانتهاء الغاية، فتقتضي انقضاء اللعنة، عنه، عند مجيء يوم الدين، مع أنها لا تنقطع؟
قلت: معناه: أن اللعنة باقية عليه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، زيد له على اللعنة من العذاب، بحيث تنسى اللعنة بذلك، فكأنها انقطعت عنده.
قال بعضهم: ولا يلزم من هذا التوقيت، انقطاع اللعنة عنه في الآخرة، إذ من كان ملعونًا مدة الدنيا، ولم يشم رائحة الرحمة في وقتها، كان ملعونًا أبديًا في الآخرة، ولم يجد أثر الرحمة فيها، لكونها ليست وقت الرحمة للكافر، وقد علم خلوده في النار بالنص، وكذا اللعنة، كما قال تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} مع ما ينضم إليه من عذاب آخر، ينسى عنده اللعنة، والعياذ بالله تعالى.