فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 384573 من 466147

ولِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ. فإن قلت: فما معنى قوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟ قلت: الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم ، واستنكف منه أنه سجود لمخلوق ، فذهب بنفسه ، وتكبر أن يكون سجوده لغير الخالق ، وانضم إلى ذلك أنّ آدم مخلوق من طين وهو مخلوق من نار. ورأى للنار فضلا على الطين فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب ، وزلّ عنه أنّ اللّه سبحانه حين أمر به أعزّ عباده عليه «1» وأقربهم منه زلفى وهم الملائكة ، وهم أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل ، ويستنكفوا من السجود له من غيرهم ، ثم لم يفعلوا وتبعوا أمر اللّه وجعلوه قدّام أعينهم ، ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له ، تعظيما لأمر ربهم وإجلالا لخطابه: كان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حرى بأن يقتدى بهم ويقتفى أثرهم ، ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر اللّه ، أو غل في عبادته منهم في السجود له ، لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح ، فقيل له:

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ ، أي: ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلفته بيدي - لا شكّ في كونه مخلوقا - امتثالا لأمرى وإعظاما لخطابى كما فعلت الملائكة ، فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في تركه ، وقيل له: لم تركته مع وجود هذه العلة ، وقد أمرك اللّه به ، يعني: كان عليك أن تعتبر أمر اللّه ولا تعتبر هذه العلة ، ومثاله:

أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم فيمتنع اعتبارا لسقوطه ، فيقول له:

ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى عليّ سقوطه «2» ، يريد: هلا اعتبرت أمرى وخطابي وتركت

(1) . قوله «حين أمر به أعز عباده» مبنى على مذهب المعتزلة: أن الملك أفضل من البشر. وعند أهل السنة:

البشر أفضل من الملك. (ع)

(2) . قال محمود: «لما كان ذو اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه: غلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغير اليدين ، حتى قيل في عمل القلب: هذا مما عملت يداك. قال ومعناه أن الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم واستنكف بسببه: أنه سجود لمخلوق ، مع أنه دون الساجد ، لأن آدم من طين ، وإبليس من نار ، فرأى للنار فضلا على الطين ، وزل عنه أن اللّه سبحانه حين أمر أعز عباده عليه وأقربهم منه وهم الملائكة أن يسجدوا لهذا البشر:

لم يمتنعوا ولم يذهبوا بأنفسهم إلى التكبر ، مع انحطاطه عن مراتبهم ، فقيل له: ما منعك أن تسجد لهذا الذي هو مخلوق بيدي كما وقع لك ، مع أنه لا شك أن في ذلك امتثالا لأمرى وإعظاما لخطابى كما فعلت الملائكة ، فذكر له العلة التي منعته من السجود ، وقيل له: ما حملك على اعتبار هذه العلة دون اعتبار أمرى ، ومثاله: أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم ، فيمتنع اعتبارا لسقوطه. فيقول له: ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى على سقوطه ، يريد: علا اعتبرت أمرى وخطابي وتركت اعتبار سقوطه ، انتهى المقصود من الآية بعد تطويل وإطناب وإكثار وإسهاب. قال أحمد: إنما أطال القول هنا ليفر من معتقدين لأهل السنة تشتمل عليهما هذه الآية:

أحدهما: أن اليدين من صفات الذات أثبتهما السمع ، هذا مذهب أبى الحسن والقاضي ، بعد إبطالهما حمل اليدين على القدرة ، فان قدرة اللّه تعالى واحدة ، واليدان مذكورتان بصيغة التثنية ، وأبطلا حملهما على النعمة بأن نعم اللّه لا تحصى ، فكيف تحصر بالتثنية. وغيرهما من أهل السنة كامام الحرمين وغيره يجوز حملهما على القدرة والنعمة ، ويجيب عما ذكراه بأن المراد نعمة الدنيا والآخرة ، وهذا مما يحقق تفضيله على إبليس ، إذ لم يخلق إبليس لنعمة الآخرة ، وعلى أن المراد القدرة ، فالتثنية تعظيم ، ومثل ذلك يوجد في اللغة كثيرا. المعتقد الثاني: أن النبي أفضل من الملك ، والزمخشري شديد العصبية في هذه المسألة والإنكار على من قال بذلك من أهل السنة ، لا جرم أنه أجرم في بسط كلامه على آدم عليه السلام ، فمثل قصته في انحطاط مرتبته على زعمه عن مرتبة الملائكة بقول الملك لوزيره.

زر بعض سقاط الحشم ، فجعل سقاط حشم الملك مثالا لآدم الذي هو عنصر الأنبياء عليهم السلام ، وأقام لإبليس عذره وصوب اعتقاده. أنه أفضل من آدم لكونه من نار وآدم من طين ، وإنما غلطه من جهة أخرى. وهو أنه لم يقس نفسه على الملائكة إذ سجدوا له ، على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقط المنزلة ، وجعل قوله تعالى لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إنما ذكر تقريرا للعلة التي منعت إبليس من السجود ، وهو كونه دونه ، وهذا - نسأل اللّه العصمة - المراد منه ضد ما فهم الزمخشري ، وإنما ذكر ذلك تعظيما لمعصية إبليس ، إذ امتنع من تعظيم من عظمه اللّه إذ خلقه بيده ، وذلك تعظيم لآدم لا تحقير منه. ويدل عليه الحديث الوارد في الشفاعة ، إذ يقول له الناس عند ما يقصدونه فيها: أنت آدم أبو البشر خلقك اللّه بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ، فإنما يذكرون ذلك في سياق تعديد كراماته وخصائصه ، لا فيما يحط منه ، معاذ اللّه وإياه نسأل أن يعصمنا من مهاوي الهوى ومهالكه ، وأن يرشدنا إلى سبيل الحق ومسالكه ، إنه ولى التوفيق ، وبالإجابة حقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت