قال الفراء: رفعت الحميم والغساق ب (هذا) مقدماً ومؤخراً ، والمعنى هذا حميم وغساق فليذوقوه ، وإن شئت جعلته مستأنفاً وجعلت الكلام فيه مكتفياً كاملا قلت: هذا فليذوقوه ثم قلت منه حميم وغساق.
كقول الشاعر:
حتّى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود
واختلف القراء في قوله: (وغساق) ، فشددها يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحفص وهي قراءة أصحاب عبد الله ، وخففها الآخرون.
قال الفراء: من شدد جعله اسماً على فَعّال نحو الخبّاز والطبّاخ . ومن خفف [جعله] اسماً على فِعال نحو العذاب.
واختلف المفسرون فيه:
فقال ابن عبّاس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار.
وقال مجاهد ومقاتل: هو [الثلج] البارد الذي قد انتهى برده ، أي يريد هو المبين بلغة الطحارية وقد بلغه النزل.
محمّد بن كعب: هو عصارة أهل النار.
قتادة والأخفش: هو مايغسق من قروح الكفرة والزناة بين لحومهم وجلودهم ، أيّ تسيل.
قال الشاعر:
إذا ماتذكرت الحياة وطيبها ... وإلي جرى دمع من العين غاسق
{وَآخَرُ} قرأ أهل البصرة ومجاهد: (وأُخر) بضم الألف على جمع أُخرى ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لأنه نعته بالجمع فقال: أرواح مثل الكبرى والكبر.
وقرأ غيرهم: على الواحد واخر.
{مِن شَكْلِهِ} مثله {أَزْوَاجٌ} أصناف من العذاب والكناية في شكله راجعة إلى العذاب في قوله هذا .
وأما قوله {هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} قال ابن عبّاس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة {هذا} يعني الاتباع {فَوْجٌ} جماعة {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} النار ، أيّ داخلوها كما دخلتم.