ثم بيّن غائلة الضلال، ووخامة عاقبته. فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} تعليل للنهي عن اتباع الهوى، والوقوع في الضلال ببيان غائلته، وإظهار {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه، كما سيأتي في مبحث البلاغة. {لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ} ؛ أي: أليم والباء في {بِما نَسُوا} للسببية أو تعليلية. ومعنى النسيان: الترك. {يَوْمَ الْحِسابِ} مفعول لنسوا؛ أي: لهم عذاب أليم، بسبب نسيانهم يوم الحساب والمجازاة، وترك العمل له، قال الزجاج؛ أي: بتركهم العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون. وقال عكرمة، والسدي: في الآية تقديم، وتأخير، والتقدير:
ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا؛ أي: تركوا القضاء بالعدل، والأول أولى، ولما كان الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب، كان كل منهما سببا، وعلة لثبوت العذاب الشديد. وتأدب سبحانه وتعالى مع داود؛ أي: وقَّره وعظَّمه حيث لم يُسند الضلال إليه بأن يقول: فلئن ضللت عن سبيلي، فلك عذاب شديد، لما هو مقتضى الظاهر، بل أسنده إلى الجماعة الغائبين، الذين داود عليه السلام، واحد منهم.
والمعنى: أي إن الذين يتركون الحق، ويضلون عن سبيل معالمه لهم، من الله العذاب الشديد يوم الحساب، لنسيانهم ما في ذلك اليوم من الأهوال، وأن الله سيحاسب كل نفس بما كسبت، فمن دسَّى نفسه، وسلك بها سبيل المعاصي .. فقد حق عليه العذاب، الذي كتبه على العاصين، جزاءً وفاقًا على أعمالهم التي كسبوها بأيديهم، فإن تذكر يوم الحساب يقتضي ملازمة الحق، ومخالفة الهوى.