ثم أكد ما سلف بالنهي عن ضده، فقال: {وَلا تَتَّبِعِ} يا داود {الْهَوى} ؛ أي: ما تهواه النفس، وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا، قال بعضهم: وهذا يؤيد ما قيل: إن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا، وهو أن يجعلها تحت نكاحه، أو ما قيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي، وتظليم الآخر قبل مسألته. وفي هذا إرشاد لما يقتضيه منصب النبوة، وتنبيه لمن هو دونه لسلوك هذا الطريق القويم.
ثم بين سوء عاقبة ذلك، فقال: {فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} بالنصب على أنه جواب النهي؛ أي: فيكون الهوى أو اتباعك للهوى سببًا لضلالك عن دلائله، التي نصبها على الحق تكوينًا وتشريعًا. قال بعضهم: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى} ؛ أي: ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني {فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسل الله تعالى، انتهى.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يكون اتباع الهوى سببًا للضلال؟
قلت: لأن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية، فيشغل عن طلب السعادات الروحانية، التي هي الباقيات الصالحات، فمن ضل عن سبيل الله، الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق، أو اتباع الحق في الأمور، وقع في سبيل الشيطان، بل في حفرة النيران والحرمان.
ويجوز أن يكون الفعل في {فَيُضِلَّكَ} مجزومًا بالعطف على النهي، وإنما حرّك لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول أعني: النصب يكون المنهي عنه الجمع بينهما. وعلى الوجه الثاني، يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة.
والمعنى: أي فيكون اتباعك للهوى سببًا في الضلال عن الدلائل التي نُصبت، والأعلام التي وضعت للإرشاد، إلى سبل السلام بإصلاح حال المجتمع في دينه ودنياه. وتهذيبه حتى يسلك طريق الحق بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.