أَي: فأَعرض عن كفار مكة، واصبر على أَذاهم لك، وانتظر إِلى وقت مؤَجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة عليهم، والظفر بهم، وذلك يوم بدر، أَو فتح مكة، والأَخير هو الظاهر، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد نصر عليهم نهائيا في فتح مكة؛ ودخلوا في دين الله أَفواجا، وصدق الله إذ يقول: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ونميت} فقد أَحياهم الله بالإِسلام.
175 - {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} :
وأَبصر ما يكونون عليه يوم القيامة من العذاب فسوف يُبصرون ما يكون لك من مزيد الثواب، أَو المراد: وأَبصرهم يوم القيامة وهم يعذبون، فسوف يبصرون ويندمون حين لا ينفعهم ذلك، وفي ذكر ذلك تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتنفيس عنه.
176 - {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} : استفهام توبيخ:
والمعنى: أَسلبوا عقولهم فبعذابنا يستعجلون؟ فكأَنه يقول: لا تستعجلوه فإِنه واقع بكم، إِن استمررتم على كفركم وتكذيبكم لرسولكم، ورُوى أَنه لَمَّا نزل {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} قالوا: متى ذلك؟ فنزلت.
177 - {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} :
أَي: فإِذا نزل العذاب الموعود بساحتهم وحل بهم وهم مصرون على الكفر فبئس صباح المنذرين صباحُهم، رُوى في الصحيحين: عن أَنس - رضي الله عنه - قال: لما أَتَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خيبرَ وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم الْمسَاحِي قالوا: محمَّد والخميس، ورجعوا إِلى حصنهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -"الله أَكبر خربت خيبر، إِنَّا إِذا نزلنا بساحة قوم {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} ."
قال الزمخشري: مَثَّل العذاب النازل بهم بعد ما أُنْذِرُوه فأَنكروه بجيش أَنذر بعضُ النصحاءِ قومه بهجومه عليهم فلم يلتفتوا إِلى إِنذارهم، ولا أَخذوا أهبتهم، ولا دبَّروا أَمرهم تدبيرًا ينجيهم حتى أَناخ بفنائهم بغتة، فشنَّ عليهم الغارة، وقطع دابرهم، وكانت عادة مغاويرهم أَن يغيروا صباحًا فسميت الغارة صباحًا وإِن وقعت في وقت آخر، وما فَصُحَتْ هذه الآية ولا كانت لها الرَّوْعة التي تحسُّ بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلا لمجيئها على طريق التمثيل. اهـ: كشاف بتصرف.