قال الزمخشري: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} أَي: الْمُنَزِّهُن، أو المصَلُّون, والوجه أَن يكون وما قبله وهو قوله: {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ} كأَنَّه قيل: وقد علمت الملائكة وشهدوا: أَن المشركين محضرون يوم القيامة لعقابهم، وقالوا: سبحان الله، فنزِّهوه عن ذلك، واستثنوْا عباد الله المخلصين، وبرَّءُوهم منه، وقالوا للكفرة: إنَّكم وآلهتكم لا تقدرون أنْ تفتنوا على الله أحدًا من خلقه وتضلوه، إِلاَّ من كان مثلكم ممن علم الله أَنهم من أَهل النار لكفرهم، وكيف نكون مناسبين لرب العزة ويجمعنا وإياه جنس واحد، وما نحن إلاَّ عبيد أَذلاَّء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أَن يزلّ عنه خشوعًا لعظمته وتواضعًا لجلاله، ونحن الصَّافُّون أَقدامنا وأجنحتنا لعبادته، مذعنين خاضعين مسبِّحين مُمَجِّدِين كما يجب على العباد لربهم.
167، 168، 169 - {وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (169) } :
عود إِلى الإِخبار عن المشركين: بأَنهم كانوا قبل بعثة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - يقولون:
لو أَنَّ عندنا ذكرًا، أَي: كتابا من كتب الأَولين الذين أُنزل عليهم التوراة والإِنجيل؛ لأَخلصنا
العبادة لله، ولما كذَّبنا كما كذبوا، وخالفنا كما خالفوا، وقيل: كانوا يتمنون قبل أَن تُبعث يا محمد لو كان عندهم من يذكِّرهم بأَمر الله، وما كان من أَخبار القرون الأُولى، ويأْتيهم بكتاب من عند الله، إذا لاتَّبعوه، ولما حاربوه، فجاءَهم نبي هو خير الأَنبياءِ، وسيد المرسلين، ومعه كتاب مُعجز مهيمن على سائر الكتب والأَخبار، وهو القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأْتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه، حوى الخير والسعادة للبشرية كلها.
170 - {فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} :
فجاءَهم الكتاب الذي تمنوه وطلبوه فكفروا به، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وما يجعل بهم من الانتقام، وهو وعيد أَكيد، وتهديد شديد على كفرهم بربهم، وتكذيبهم لكتابه ورسوله.