{والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم ، ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد ، أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون ، أو إنه بمعنى الحدث فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك ، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيها من حذف أو مجاز.
{قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم} في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجج ، واللام بدل الإِضافة أي جحيم ذلك البنيان.
{فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم. {فجعلناهم الأسفلين} الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهاناً نيراً على علو شأنه ، حيث جعل النار عليه برداً وسلاماً.
{وَقَالَ إِنّي ذَاهِبٌ إلى رَبّي} إلى حيث أمرني ربي وهو الشام ، أو حيث أتجرد فيه لعبادته. {سَيَهْدِينِ} إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي ، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله ، أو البناء على عادته معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه الصلاة والسلام حين {قَالَ عسى رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السبيل} فلذلك ذكر بصيغة التوقع.
{رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين} بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة ، يعني الولد لأن لفظ الهبة غالبة فيه ولقوله:
{فبشرناه بغلام حَلِيمٍ} بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أوان الحلم ، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ويكون حليماً وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال {سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصابرين} وقيل ما نعت الله نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام ، وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه.