قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)
الجُدُد: جمع"جُدَّة"وهي الطريقة، وجدد: طرائق، قال الشاعر:
كَأنّ سَرَاتَهُ وَجُدّةَ ظَهْرِهِ ... كَنَائِنُ يَجرِي بَيْنَهُنَّ دَليصُ
يعني بالجدة: الخطة السوداء التي في متن الحمار، والدليص: البراق.
والغرابيب: حجارة سود واحدها"غربيب"، وقال (سود) والغرابيب لا تكون إلا سودا
للتوكيد، كما تقول: رأيت زيدا زيدا؟. إذا أردت التوكيد، وقيل: هو على التقديم والتأخير،
كأنه قال: وجدد سود غربيب، لأنه يقال: أسود غربيب، وأسود حالك، وأسود حلكوك، وأسود حانك بمعنى واحد.
وقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) أضاف الفعل إلى نفسه، وكان الأول بلفظ الغائب، لقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) لأن الضمير هو الظهر في المعنى فقام أحدهما مقام الآخر.
ونصب (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) على الحال، وهي حال مقدرة؛ لأنَّ الثمرة أول ما تخرج لا تختلف
ألوانها، وإنما تختلف عند البلاغ، والحال على أربعة أوجه:
هذا أحدها، وهو الحال المقدرة.
والثاني: حال مؤكدة، نحو قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)
، فهذه حال
مؤكدة؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيماً. ومثله (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) ، لأن الحق لا يكون إلا مُصَدِّقًا.
والثالث: حال منقلبة، نحو قولك: قام زيد ضاحكاً؛ لأنَّه يجوز أن يقوم عابساً، ففرقت بين المعنيين.
والرابع: حال منفية، نحو قولك: ما لزيد غيرَ ملتفت ولا مقبل علينا.
وأجمع القراء على رفع (العلماء) ونصب (اسم الله تعالى) ، وهو الصواب الذي لا معدل عنه، إلا
أن طلحة بن مصرف قرأ كذلك: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ) فرفع(اسم الله
تعالى)ونصب (العلماء) ، ويروى مثل ذلك عن أبي حنيفة، وأكثر أهل العلم يذهب إلى أنه لحن،
وقد اعتذر بعضهم لهذا بأن قال: هو على القلب. كما تقول: تهيبني الفلاةُ، في معنى تهيبت الفلاة،
وكما قال الشاعر: