قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}
قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} تمثيل آخر للمؤمن والكافر أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل، وقيل: للعلماء وللجهال.
(تنبيه)
زيادة لا في الثلاثة لتأكيد نفي الاستواء، وجاء ترتيب هذه المنفيات على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للمؤمن والكافر عقب بما كل منهما فيه، والكافر في ظلمة والمؤمن في نور؛ لأن البصير وإن كان حديد البصر لابد له من ضوء يبصر فيه، وقدم الأعمى؛ لأن البصير فاصله فحسن تأخيره، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور، ولأن النور فاصلة، ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما مر، وقولنا: لأجل الفاصلة أولى من قول بعضهم لأجل السجع؛ لأن القرآن ينبو عن ذلك، وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع.
وإنما كرر الفعل في قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ} مبالغة في ذلك؛ لأن المنافاة بين الحياة والموت أتمّ من المنافاة المتقدمة، وقدم الأحياء لشرف الحياة ولم يعد لا تأكيداً في قوله تعالى {الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} وكرّرها في غيره؛ لأن منافاة ما بعده أتم، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيراً ثم يصير أعمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور، والظلمات والنور، فإنها منافية أبداً لا يجتمع اثنان منها في محل، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمة.
«فَإِنْ قِيلَ» : الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون متصفاً بالحياة ثم يتصف بالموت؟