لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... ينتهي ذاك حتى ينتهي العمر
وروي في الإسرائيليات أن نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مر بفخ منصوب وإذا بطائر قريب منه. فقال له الطائر: يا نبي الله: هل رأيت أقل عقلا ممن نصب هذا الفخ ليصيدني به وأنا أنظر إليه؟ قال: فذهب عنه ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع وإذا بالطائر في الفخ ، فقال له: عجباً لك ألست القائل كذا وكذا آنفاً. فقال: يا نبي الله إذا جاء الحين لم يبق أذن ولا عين. ويروى أن رجلا قال لبزرجمهر تعال نتناظر في القدر. قال: وما تصنع بالمناظرة؟ قال: رأيت شيئاً ظاهراً استدلت به على الباطن ، رأيت جاهلا مبروراً وعالماً محروماً ، فعلمت أن التدبير ليس للعباد. ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك قاله له يزيد بن المهلب: أنت أدهى الناس وأعلمهم ، فكيف طرحت نفسك في يد سليمان؟ فقال: إن الهدهد ينظر إلى الماء في الأرض على ألف قامة ، ويبصر القريب منه والبعيد على بعد في التخوم ، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة أو الحبة فلا يبصره حتى يقع فيه وأنشدوا في ذلك:
وإذا خشيت من الأمور مقدراً ... وفررت منه فنحوه تتوجه
وقال آخر:
أقام على المسير وقد أنيخت ... مطاياه وغرد حادياها
وقال أخاف عادية الليالي ... على نفسي وأن ألقى رداها
مشيناها خطاً كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطاً مشاها
ومن كانت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتاب فيه: إذا كان القضاء حقاً فالحرص باطل.
وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز.
وإذا كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.