فمما ذكرنا تبين أنه قد اشتد الأذى بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وسُبَّ، وخُنق، وسال الدم منه - صلى الله عليه وسلم -، وأوذي أشد الإيذاء، أفلا يكون من المعقول أن يدافع الله - عز وجل - عنه ويهدد الذين يؤذونه، ويجعل سبحانه أذية رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أذيته - عز وجل -؟.
بلى، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، لذلك قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) } [الأحزاب: 57] .
الوجه الثالث: رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه وبأمته ورحمته في دعوته وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحمل الأذى إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله - عز وجل -.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء: 107] ، فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها، وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته.
وشملت رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - العالمين، والعالمين تشمل الكافر والمؤمن؛ فهو رحمة للبر والفاجر، فمن آمن به أمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به أمن من عذاب الله في الدنيا وأجلت له العقوبة في الآخرة، مصدقًا لقول الله - عز وجل: وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] ، وسنبين بإذن الله - عز وجل - الآن رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه، ثم رحمته بأمته، ثم رحمته - صلى الله عليه وسلم - في دعوته.
1 -رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأعدائه:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قيل يا رسول الله: ادع على المشركين قال:"إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة".
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - السابق لما جاءه ملك الجبال وقال له:"إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال:"لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا"."