والعرب تقول: ردّ فلان إلى معاده ، يعني: إلى بلده ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة إلى المدينة اغتم لمفارقته مكة ، لأنها مولده وموطنه ، ومنشأه وبها عشيرته ، واستوحش فأخبر الله تعالى في طريقه أنه سيرده إلى مكة ، وبشره بالظهور والغلبة.
ثم قال تعالى: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى} أي يعني: بالرسالة والقرآن ، وذلك حين قالوا: إنك في ضلال مبين {وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ} وذلك حين قالوا: فنزل {قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى} يعني: فأنا الذي جئت بالهدى ، وهو يعلم بمن هو في ضلال مبين نحن أو أنتم.
ثم قال عز وجل: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب} يعني: أن يلقى وينزل عليك القرآن {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} ويقال في الآية تقديم.
ومعناه: أن الذي فرض عليك القرآن يعني: جعلك نبياً ينزل عليك القرآن ، وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبياً بوحي إليك ، لرادك إلى معاد إلى مكة ظاهراً قاهراً.
ويقال {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} يعني: لكن دين ربك رحمة ، واختارك لنبوته ، وأنزل عليك الوحي ، ثم قال: {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين} يعني: عوناً للكافرين حين دعوه إلى دين آبائه {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله} يعني: لا يصرفنك عن آيات الله القرآن والتوحيد {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} أي: بعد ما أنزل إليك جبريل عليه السلام بالقرآن {وادع إلى رَبّكَ} يعني: ادع الخلق إلى توحيد ربك {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} يعني: لا تكونن مع المشركين على دينهم {وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ} أي: لا تعبد غير الله.