فذلك هو خير مما لو اجتمعت الدنيا كلها للإنسان ، ثم لم يكن له نصيب فِي الآخرة ..
ـ وقوله تعالى: « وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ » أي لا يلقيّ هذه المقولة ، ولا يتقبل هذه الدعوة الطيبة إلى ابتغاء ثواب اللّه - إلا الصابرون ، الذين يصبرون على بأساء الحياة الدنيا وضرائها ، ابتغاء ما يلقون من جزاء حسن في الآخرة ..
فمن لم يكن من الصابرين ، فإنه لا يؤدى حقا ، ولا يصبر على حق ، بل يستعمل كل ماله في هذه الدنيا ، ويستهلكه في يومه ، غير ملتفت إلى غده .. إن الطاعات تكاليف وأعباء ، لا تقع موقع القبول والرضا إلا من نفوس صابرة ، تغرس اليوم ، لتجنى ثمار غرسها غدا ..
قوله تعالى: « فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ » .
وهكذا يدور الزمن دورته ، وينخرم حساب قارون مع دنياه هذه ، وما جمع فيها ، وإذا هو وما جمع في حفرة عميقة في الأرض ، قد فغرت فاها ، وابتلعته في غمضة عين ، كما يبتلع الحيوان فريسته .. وهكذا تطوى صفحة هذا الضلال المتحرك ، وتذهب معالمه ، دون أن يكون له من ينصره من بأس اللّه ويدفع عنه هذا المصير ، فقد ذهب عنه سلطانه ، ولم يغن عنه ماله! قوله تعالى: « وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ » .
وينتقل المشهد من قارون وموكبه ، وداره وحشمه وماله ، إلى تلك العيون