والله جل جلاله أعلم بعباده من أنفسهم، فهو الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) } [القلم: 7] .
وهو سبحانه الهادي الذي أنزل الهدى، وهو صاحب الحق في وزن الناس به، وتقرير من هو المهتدي، ومن هو الضال: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) } [النجم: 32] .
والهداية إلى الإيمان نعمة كبرى بل هي أجل النعم، لا يعرفها إلا من ذاقها، فهي تنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات.
حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة، ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته جديداً كما لم يبدُ من قبل قطّ لذلك القلب الحي هو الذي نوره الإيمان كما قال سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) } [الأنعام: 122] .
فالقلوب إذا لم يدخلها الإيمان والهدى فهي ميتة مظلمة، فإذا دخل الإيمان في
القلوب اهتزت وتحركت بالذكر والعبادة والطاعة لمولاها، فاطمأنت بذكره، وأنست بقربه، وتلذذت بعبادته، وأشرقت أرواح المؤمنين بهذا النور وأضاءت، وفاض منها النور تمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتحقق مراد الله في أرضه وعباده.
فهل يستوي هذا الحي الذي أنار الله قلبه بالإيمان، بميت جاثم في الظلمات؟.
والهدى والرشاد هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه.
والراشد المهدي هو الذي زكت نفسه بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهو صاحب الهدى ودين الحق.
والناس في هذا أربعة أقسام:
الأول: مهتد في علمه، راشد في قصده وعمله، وهؤلاء ورثة الأنبياء، وصفوة الله من عباده، وهم وإن كانوا الأقلين عدداً، فهم الأكثرون عند الله قدراً.
الثاني: ضال في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء أشر الخلق، وهم مخالفو الرسل والأنبياء.