ومشيئة الله سبحانه هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال، فقد اقتضت مشيئة الله أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء.
وجعل الله سبحانه هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان، فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه، والرغبة فيه، فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله.
ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى، والصدود عن دلائله وموجباته، فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله، وأن يبعده، وأن ينساه، وأن يدعه يتخبط في الظلمات.
ومرد الأمر كله إلى الله في النهاية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) } [الأنعام: 112] .
فالأمر كله مقيد بمشيئة الله، هو سبحانه الذي شاء ألا يهديهم؛ لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى، وهو سبحانه الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء، وهو سبحانه الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى، وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) } [التكوير: 26 - 29] .
والطائعون والعصاة في قبضة الله سواء، وهم جميعاً تحت قهره وسلطانه سواء،
فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بإذن الله، وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف العباد، ولكن المؤمنين يطابقون ويجمعون في القدر المتروك لهم للاختيار بين الخضوع القهري، المفروض عليهم في ذوات أنفسهم وفي تكوينهم العضوي، وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار.
وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها؛ لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموساً واحداً ورباً واحداً، فالمؤمنون بالله أعقل العقلاء.