فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً.
و {ما} مصدرية والمصدر هو فاعل قليلاً.
والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم ، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم.
وهذه الكناية تلميح وتعريض ، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل.
وأصل تذكرون تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفاً وهو إدغام سماعي.
وقرأ الجمهور {تذكرون} بتاء الخطاب.
وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم ، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم.
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
(بل) لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان.
ذكر الهداية في ظلمات الليل في البرّ والبحر.
وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى (في) .
والهُدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] .
فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك ، وبأن ركّب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها ، وهداهم أيضاً بمهاب الرياح ، وخوّلهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها ، وحرارتها وبردها.
وبهذه المناسبة أُدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعنيّ برحمة الله.
وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {نُشُرا} بضمتين وبالنون.
وقرأه ابن عامر بالنون بضم فسكون.