والعاقل من لا يغتر بترهات الزمان، ولا يثق من زمانه بعهد ولا أمان، بل يعلم أن الموت ولو بعد حين آت، وأنه كادح إلى ربه كدحاً فملاقيه، ويعتبر بأحوال الأمم السالفة كيف لم يَدفع الموت عنهم قواهم، ولا أبعد الحِمام عنهم ثراؤهم وغناهم، وما انتفعوا بطول الأعمار ولا بسَعة الديار، ملكوا البلاد بَرهة، وفتكوا بنواحيها، ثم هلكوا فكأنْ لم يغنَوا فيها.
وقد روى الدينوري في"المجالسة"عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: أنه كان يستحسن شعر عدي بن زيد حيث يقول: من الخفيف
أَيْنَ أَهْلُ الدِّيارِ مِن قَوْمِ نُوحٍ ... ثُمَّ عادٌ مِنْ بَعْدِهِم وَثَمُودُ
بَيْنَما هُم عَلى الأَسِرَّةِ وَالأَنْـ ... ـماطِ أَفْضَتْ إِلى التُّرابِ الْخُدُودُ
ثُمَّ لَمْ يَنْقَضِ الْحَدِيْثُ وَلَكِنْ ... بَعْدَ ذا الْوَعْدُ كُلُّهُ وَالْوَعِيْدُ
وَأَطِبَّاءُ بَعْدَهَمُ لَحِقُوهُمْ ... ضَلَّ عَنْهُمْ سُعُوْطهُمُ واللّدُودُ
وَصَحِيْحٌ أَضَحَى يَعُوْدُ مَرِيضًا ... وَهْوَ أَدْنىَ لِلْمَوْتِ مِمَّنْ يَعُوْدٌ
وفي معنى البيتين الأخيرين ما رواه أبو نعيم وغيره: أن الربيع بن خثيم رحمه الله تعالى أنه أصابه فالج، فقيل له: لو تداويت؟
فقال: هممت، ثم ذكرت عاداً وثمود، وقرونا بين ذلك كثيرًا؛ كانت فيهم الأوجاع، وكان فيهم الأطباء، فهلك المُدَاوي والمُدَاوى.
ويروى لأبي العتاهيَة: من الكامل
إِنَّ الطَّبِيبَ بِطِبِهِ وَدَوائِهِ ... لا يَسْتَطِيع دِفاعَ مَكْرُوهٍ أَتَى
ما لِلطَّبِيْبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي ... قَدْ كانَ يُبْرِي مِنْهُ فِيما قَدْ مَضى
ذَهَبَ الْمُداوَى وَالْمُداوِي وَالَّذِي ... جَلَبَ الدَّواءَ وَباعَهُ وَمَنِ اشْتَرَى
وقد ذكرنا في التشبه بالأنبياء عليهم السَّلام أن استحسان التداوي، أو ترك التداوي إنما هو باعتبار النية، لأن الأعمال بالنيات؛ والله الموفق.
* تَنْبِيْهٌ:
ليس في كتاب الله تعالى ما يدل على أن الله تعالى كلَّف قومَ نوح، أو قوم هود، أو قوم صالح بالصَّلاة مع قطع النظر عن كون الصلاة ذات ركوع وسجود وقيام وقعود أو لا.