فإذا ما جاء أولياء الدم يطالبوننا بدمه {لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} [النمل: 49] أي: وليّ الدم من عُصْبته ورحمه {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] أي: ما شهدنا مقتل أهله ، فمن باب أَوْلَى ما شهدنا مقْتله ، ولا نعرف عنه شيئاً .
هذا ما دبره القوم لنبي الله صالح عليه السلام يظنون أن الله يُسْلِم رسوله ، أو يُمكِّنهم من قتله ، فحاكوا هذه المؤامرة ولم يفتهم تجهيز الدفاع عن أنفسهم حين المساءلة ، هذا مكرهم وتدبيرهم .
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)
معنى {وَمَكَرُواْ مَكْراً} [النمل: 50] أي: ما دبّروه لقتل نبي الله ورسوله إليهم {وَمَكَرْنَا مَكْراً} [النمل: 50] وفَرْق بين مكر الله عز وجل {والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54] وبين مكْر الكافرين {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .
إذن: حين تمكر بخير ، فلا يُعَدُّ مكْراً ، إنما إبطال لمكْر العدو ، فلا يجوز لك أنْ تتركه يُدبِّر لك ويمكُر بك ، وأنت لا تتحرك ؛ لذلك قال تعالى {والله خَيْرُ الماكرين} [الأنفال: 30] لأنهم يمكرون بشرٍّ ، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لِنُصْرة رسولنا ، ونجاته من تدبيركم .
والمكْر: مأخوذ من قولهم: شجرة ممكورة ، وهذا في الشجر رفيع السَّاق المتسلق حين تلتفُّ سيقانه وأغصانه ، بعضها على بعض ، فلا تستطيع أن تُميِّزها من بعضها ، فكُلٌّ منها ممكور في الآخر مستتر فيه ، وكذلك المكر أن تصنع شيئاً تداريه عن الخصم .
وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] أي: أنه مكْر محبوك ومحكم ، بحيث لا يدري به الممكور به ، وإلا لا يكون مَكْراً .