وحين نتأمل: {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] و {والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54] نعلم أن المكر لا يُمدح ولا يُذَمُّ لذاته ، إنما بالغاية من ورائه ، كما في قوله تعالى عن الظن: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن} [الحجرات: 12] فالظن منه الخيِّر ومنه السيئ .
ونسمع الآن تعبيراً جديداً يعبر عما يدور في المجتمع من انتشار المكر وسوء الظن ، يقولون: الصراحة مكر القرن العشرين ، فالذي يمكر بالناس يظن أنهم جميعاً ماكرون فلا يصدق كلامهم ، ويحتاط له حتى إنْ كان صدقاً ، فأصبح المكر وسوء الظن هو القاعدة ، فإنْ صارحتَ الماكر لا يُصدقك ويقول في نفسه: إنه يُعمى عليَّ أو يُضلِّلني .
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)
أي: تأمل ما حاق بهم لما مكروا بنبي الله ، واتفقوا على التبييت له وقَتْله ، يُرْوى أنهم لما دخلوا عليه أُلْقي على كل واحد منهم حجر لا يدري من أين أتاه ، فهلكوا جميعاً ، فقد سخَّر الله له ملائكة تولَّتْ حمايته والدفاع عنه .
أو: أن الله تعالى صنع له حيلة خرج بها وذهب إلى حضرموت ، وهناك مات عليه السلام ، فَسُمِّيت حضرموت . وآخرون قالوا: بل ذهبوا ينتظرونه في سفح جبل ، واستتروا خلف صخرة ليُوقِعوا به فسقطت عليهم الصخرة فماتوا جميعاً .
المهم ، أن الله دمرهم بأيِّ وسيلة من هذه {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] لقد أرادوا أنْ يقتلوه وأهلَه ، فأهلكهم الله .
قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} [النمل: 52] دليل على أن الله أهلكهم فلم يُبْقِ منهم أحداً ، وتُركَتْ بيوتهم خاوية بسبب ظلمهم {إِنَّ فِي ذلك لآيَةً} [النمل: 52] عبرة وعظة {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] .