{يُفْسِدُونَ فِي الأرض} [النمل: 48] فلماذا قال بعدها: {وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48] ؟ قالوا: لأن الإنسان قد يُفسد في شيء ، ويُصلح في آخر ، كالذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وهؤلاء عسى الله أنْ يتوبَ عليهم .
أما هؤلاء القوم ، فكانوا أهل فساد مَحْض لا يعرفون الصلاح ، فإنْ رأوْه عمدوا إليه فأفسدوه ، فكأنهم مُصِرُّون على الإفساد ، وللإفساد قوم ينتفعون به ، لذلك يدافعون عنه ويعارضون في سبيله أهل الإصلاح والخير ؛ لأنهم يُعطِّلون عليهم هذه المنفعة .
وقلنا: إن صاحب الدين والخلق والمبادئ في أيِّ مصلحة تراه مكروهاً من هذه الفئة التي تنتفع من الفساد ، يهاجمونه ويتتبعونه بالهَمْز واللمز ، يقولون: حنبلي ، وربما يهزأون به . . إلخ ؛ لذلك لم يقف في وجه الرسل إلا هذه الطائفة المنتفعة بالفساد .
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
{قَالُواْ} [النمل: 49] أي: الرهط {تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 49] انظر إلى هذه البجاحة وقلة العقل وتفاهة التفكير: إنهم يتعاهدون ويُقسمون بالله أنْ يقتلوا رسول الله ، وهذا دليل غبائهم ، وكأن الحق تبارك وتعالى يجعل لهم منافذ يظهر منها حُمْقهم وقِلّة عقولهم .
ومعنى {لَنُبَيِّتَنَّهُ} [النمل: 49] نُبيِّته: نجعله ينام بالليل ، والبيتوتة أن ينقطع الإنسان عن الحركة حالَ نومه ، ثم يعاود الحركة بالاستيقاظ في الصباح ، لكن هؤلاء يريدون أنْ يُبيِّتوه بيتوتة لا قيامَ منها . والمعنى: نقلته .