اطيَّر: استعمل الطير ، وهذه عملية كانوا يلجئون إليها عند قضاء مصالحهم أو عند سفرهم مثلاً ، فكان الواحد منهم يُمسك بالطائر ثم يرسله ، فإنْ طار ناحية اليمين تفاءل وأقبل على العمل ، وإنْ طار ناحية الشمال تشاءم ، وامتنع عما هو قادم عليه ، يُسمُّونها السانحات والبارحات . فالمعنى: تشاءمنا منك ، وممَّنْ اتبعك .
{قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله} [النمل: 47] يعني: قضاء مقضيٌّ عليكم ، وليس للطير دَخْل في أقداركم ، وما يجري عليكم من أحكام ، فيكف تأخذون من حركته مُنطلقاً لحركتكم؟ إنما طائركم وما يُقدَّر لكم من عند الله قضاء يقضيه .
وفي آية يس: {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} [يس: 19] يعني تشاؤمكم هو كفركم الذي تمسكتم به .
لكن ، لماذا جاء التشاؤم هنا ، ونبيهم يدعوهم إلى الله؟ قالوا: لأنه بمجرد أنْ جاءهم عارضوه ، فأصابهم قحْط شديد ، وضنَّتْ عليهم السماء بالمطر فقالوا: هو الذي جَرَّ علينا القَحْط والخراب .
وقوله: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] الفتنة: إما بمعنى الاختبار والابتلاء ، وإما بمعنى فتنة الذهب في النار .
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)
وهذه المسألة أيضاً لقطة جديدة من القصة لم تُذكَر في الشعراء ، وهكذا كل القَصَص القرآني لو تدبَّره الإنسان لوجده لقطاتٍ متفرقة ، كلٌّ منها يضيف جديداً ، ويعالج أمراً يناسب النجْم القرآني الذي نزل فيه لتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والرَّهْط: اسم جمع ، لا واحدَ له من لفظه ، ويدل على العدد من الثلاثة إلى العشرة ، فمعنى {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48] كأنهم كانوا قبائل أو أسراً أو فصائل ، قبيلة فلان وقبيلة فلان . . إلخ .